لم يعد مفهوم التنسيق أي Curation يقتصر على المتاحف والمعارض، حيث يعمل القيّمون على البحث والجمع والتنظيم لتقديم مجموعة متكاملة تحمل رسائل قيّمة إلى  الجمهور، بل أصبح مفهوماً معتمداً في العديد من المجالات خاصة الإبداعيّة منها. في هذا التقرير قابلنا 4 سيدات لنتعرّف أكثر على عملية التنسيق في مختلف القطاعات كالديكور، التصميم والطبخ. ما هي الحدود الفاصلة بين الإبداع والتنسيق؟ ما المسار المتّبع للوصول إلى الجمهور؟ ما التحديّات التي يواجهنها؟

مقابلات خاصة مع 4 نساء حول عملية التنسيق في مختلف القطاعات

1- مقابلة مع الشقيقتين اية وموناز عبد الرؤوف، مؤسستَي علامة Okhtein  

عن المزيج بين الإبداع من جهة، التنسيق والتخصيص في التصاميم التي يقدّمانها والتي تحمل عنوان الاستدامة من جهة أخرى، تتحدّث الشقيقتان Mounaz و Aya ، مؤسّستا علامة Okhtein في هذه المقابلة. 

شعارعلامة Okhtein هو "عالمان متشابكان". كيف تنجحان في جمع التضارب بين أسلوبيكما المختلفين في ابتكار التصاميم الخاصّة  التي تنقل رسالة إلى الناس؟
فعلاً، لكلّ منّا أسلوبها الخاصّ المختلف. إذْ تعشق Mounaz المجوهرات، الذهب والعناصر البارزة، بينما تميل Aya إلى البساطة والنعومة. لدمج أسلوبينا، نحرص على تقديم فكرة ما، ثم نبتكر مزاجاً عامّاً لها وموضوعاً نعمل في إطاره. بعد ذلك، نناقش معاً تصاميم الموسم ونتّخذ القرارات المناسبة. 

ثمّة علاقة بين الإبداع Creation وتنسيق عناصر منتقاةCuration، أين التقارب بينهما وكيف يختلفان بالنسبة لكما؟
بالنسبة لنا، الإبداع هو الطريق الذي يقودنا نحو التنسيق في التصميم، وهذا ما يعكس رسالتنا تحديداً. فالإبداع ضروريّ لتصاميمنا، وفي الوقت نفسه، نعتقد أنّ التنسيق يعكس الرسالة التي نودّ أن ننقلها من خلال عملنا.

ما التحدّي الأكبر برأيكِ في المقاربة التنسيقيّة لمجموعة ما؟
يكمن التحدّي الأكبر هنا في الحرص على وضوح الرسالة التي ننقلها. من خلال المجموعات التي نبتكرها، نخاطب كافّة الأعراق، الأعمار والأجناس، ما يزيد من صعوبة تأمين الوضوح الذي نسعى إليه.

متى تعلمان أنّكما أبدعتما في تقديم مجموعة منسّقة أو أنكّما قدّمتما أقصى إمكاناتكما في تجربة ما؟
نعلم ذلك عندما تصلنا تعلقيات تؤكّد أنّ رسالتنا قد وصلت بوضوح. شقيقتي وأنا على تواصل دائم مع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، ونترقّب التعليقات على مجموعاتنا. بهذه الطريقة، يمكن أن نتأكّد فعلاً ما إذا كانت الرسالة التي نودّ أن ننقلها قد وصلت بوضوح، وتمّ تفسيرها بالشكل الصحيح. 

تبحث المرأة اليوم عن القطع ذات الاستخدام المتعدّد. هل تعتقدان أنّها صيحة أم أسلوب دائم في الاستهلاك؟
نعتقد أنّه اسلوب دائم في الاستهلاك. مع تزايد الاهتمام بالاستدامة، نشعر أنّ الجميع يدرك الأثر الإيجابيّ الذي يمكن أن يتركوه بالحرص على ذلك. من جهة أخرى، نشعر بتلك الأحاسيس المميّزة، عندما نمرّر أفكاراً ورسائل عبر الأجيال. هذا وحده لا يقدّر بثمن!

2- مقابلة خاصة مع  سارة عقل، رئيسة الطهاة في Fi’lia at SLS Dubai 

برعت في مجال الطهو وحقّقت إنجازات مهنيّة مهمّة قبل سنّ الـ 25. تدرّبت على يد الشيف الإيطاليّ ماسيمو بوتورا لتبتكر أطباقاً، تجمع بين الإبداع والتنسيق، تحمل هويّتها وأسلوبها الخاصّين.

كيف تجمعين بين الصيحات السائدة حاليّاً في عالم الطهو، الوصفات التقليديّة ولمساتكِ الشخصيّة في تحضير أطباق خاصّة؟
أنا على قناعة بأنّ الطبق التقليديّ لا يزول أبداً. في الواقع، لعبت ذكرياتي عن الأطباق التي كانت تحضّرها جدتي في طفولتي دوراً أساسيّاً في الموائد التي أعدّها. كما أنّ مصادر الألهام عديدة منها ما يخبرني به أصدقائي عن الأطباق التي تعدّها أمهاتهم. ثمّة أهميّة كبرى لتحديد مصادر هذه الأطباق وأفضل الطرق لتقديمها بأسلوبي الخاصّ.

يبدو واضحاً أنّه ثمة علاقة بين الابتكار والتنسيق . كيف تحدّدين كلّاً من المفهومين، وكيف تميّزين بينهما؟
بالنسبة لي، يدور مبدأ التنسيق حول تجميع الأفكار بأفضل الطرق الممكنة. عملت جاهدةً طوال حياتي المهنيّة على تنسيق الوصفات التي أعطيت لي والأفكار بأفضل شكل ممكن. على الرغم من ذلك، يبقى الإبداع الجزء الأكثر إثارة في مسيرتي المهنيّة. قد أخلد إلى النوم وفي ذهني فكرة بسيطة عن طبق يمكن أن تبدو صعبة التنفيذ للآخرين أو أنّهم لا يتقبلونها. هنا يكمن الإبداع فعلاً! هو يدور حول تلك الأفكار التي لا يؤمن بها الآخرون في مرحلة أولى. 

ما التحدّي الأكبر في التنسيق في تجربة الطهو؟
نسعى دوماً إلى إعادة تقديم طبق تقليديّ، محترمين الثقافة التي يتعلّق بها. يتطلّب ذلك التخطيط وبذل الجهود في العمل، لإظهار هويّتنا وأسلوبنا دون المسّ ببعض الحيل التقليديّة. كوني تناولت الطعام مع أجيال متعدّدة، ساعدني ذلك في اكتشاف نفسي بشكل أفضل، وأيضاً التعرّف إلى وجهات نظر الآخرين.

كيف تحقّقين التوازن بين الوصول إلى شريحة محدّدة من الناس وبلوغ الجمهور العريض؟
نصنع أطباقاً تحقّق التواصل بين الناس بأسهل الطرق الممكنة، ببساطتها. التعقيد جذّاب، لكنّه ليس مستداماً. نودّ أن يدخل الطعام إلى القلب ويعيش ضمن الذكريات، لا أن يمكث في المعدة، فحسب.

شاركينا تجربة في عملكِ كانت مثاليّة ووضعتِ فيها أقصى إمكاناتكِ؟
لم يحصل هذا ابداً، فأنا اسعى دوماً نحو الأفضل. لم أمرّ أبداً بلحظات شعرت فيها بأنّي حقّقت أفضل ما عندي. لا أبلغ أبداً مرحلة الاكتفاء والرضى التامَّين.  

هل تعتقدين أنّ أسلوب الاستهلاك تبدّل اليوم؟
بدّل العام الماضي الكثير من العادات وطرق الاستهلاك لدى الناس. أعتقد أنّ الناس أصبحوا أكثر وعياً وإدراكاً لأهميّة المنتجات القيّمة، إلى جانب جودة الخدمة التي يحصلون عليها، بالتوازي. لكن من المهمّ لنا أن نستمرّ بالتطور والتحسين، وابتكار ما هو أصيل في الوقت نفسه. 

3- مقابلة خاصة مع كريستيان نصر مؤسسة شركة The Bowery Company

انطلاقاً من قناعة بأنّ الأسواق الخليجيّة تفتقد إلى العلامات التي تتّسم بالرفاهية وبالأسعار المدروسة في الوقت نفسه في عالم الديكور، قرّرت Christiane Nasr مؤسّسة شركة  The Bowery Company أن تكون رائدة في المنطقة وتدخل مفهوماً جديداً في مجال الديكور، بافتتاح أوّل Concept Store أونلاين للمستهلك الذي يبحث عن أحدث الصيحات في مجال الهندسة الداخليّة. 

 ما أهمية التنسيق Curating  في الديكور؟ وكيف تساعد شركةThe  Bowery Company عملاءها في تحقيق هذا الهدف؟
في الواقع، يشكل التنسيق في الديكور جزءاً أساسيّاً في عمليّة التصميم. هدفنا أن نقدّم تجربة فريدة من خلال تلك اللّمسة الخفية التي تضفي أناقة في الهندسة الداخليّة، دون جهد يُذكر ومن دون مبالغة أيضاً. ما نوصي به دوماً، هو إفساح المجال للقطع لـ "تتنفس" في مساحتها الخاصّة، في مقابل إبراز القطع الجديدة التي تمّ ابتكارها وتنسيقها على حدة، فتتفاعل في الوقت نفسه مع المحيط وتشكل جزءاً من كيان أكبر. ممّا لا شكّ فيه، نحرص على المنحى الجماليّ، إنّما أيضاً على الناحية العمليّة، كما أنّ رغبتنا الأساسيّة في أن تعكس القطع التي تمّ تنسيقها أسلوب حياة وشخصيّة كلّ عميل، وتنقل ذاك الإحساس السحريّ الذي يعكس جوهر المصمّم وأسلوبه الخاصّ أيضاً. التنسيق  Curating يختلف عن التجميعCollecting ، لذلك ندعو عملاءنا إلى التركيزعلى التنسيق في الديكور لتعكس تلك القطع الحصريّة مشاعرهم.

ثمّة علاقة وثيقة بين الابتكار والتنسيق. كيف يختلف المفهومان، وأين التقارب بينهما؟ 
الابتكار، هو فنّ إحياء الرؤية، في حين أنّ مهمّة التنسيق خلق أثر خاصّ لما تمّ ابتكاره، إضافةً إلى إعادة تقديم مجموعة من الأعمال الإبداعيّة بهدف حمايتها والربط بينها في فوضى جميلة، لتقديم تجربة فريدة للناس. هناك انسيابيّة جميلة بين الابتكار والتنسيق، حيث أنّ كليهما يكمّل الآخر. عندما يتوقف الابتكار، يتقدّم التنسيق في خطوة إلى الأمام، كون التكرار صعب فيه، وأشكاله لا تعدّ ولا تحصى.

ما التحدّي الأكبر في مقاربة تنسيقيّة لمجموعة ما؟
التنسيق عمليّة طويلة لا ترتبط بتجميع الأشياء، تعبئتها وتوزيعها على الجمهور فحسب، بل يتضمّن التنسيق خطوات مختلفة، كتحديد المفاهيم، البحث، الاكتشاف، التصفية، تحديد المصادر والتصميم. بالإضافة إلى ذلك، يرتبط التنسيق بالثقة بغرائزنا لابتكار حسّي. أعتقد أنّه التحدي الأكبر، لكنّه أيضاً الأكثر متعة. فطوال الوقت، ندقّق بكافّة التفاصيل، بالجودة والملاءمة، الأسلوب، القيمة والتأثير العام للمجموعة المرجوّ نقلها إلى الناس.

برايك كيف يتم الحفاظ على الموضوعيّة في تقديم مجموعة ما في المعارض؟ ألا يؤثّر الخيار الشخصيّ للقيّم على ذلك؟
يُفترض بالتنسيق أن يلتزم بمسار محدّد، يتضمّن البحث، التحقيق النقديّ والاكتشاف. على  المعارض أن تفسح المجال لحرية القيّمين، فالتنسيق تجربة شخصيّة عميقة، بحيث أنّه أمام المنسّق مهمّة خلق تفاعل مع الناس، يتردّد صداه بعيداً عن اختياراته الشخصيّة للقطع.